الشريف المرتضى
111
الذخيرة في علم الكلام
بعد ذلك إلا التكليف ، وان يكون ملزما تجنّب المشتهى ، وان شقّ ذلك للمنفعة العظيمة بالثواب ، فإن لم يكن ذلك فالاغراء بتقوية الدواعي إلى نيله . ولا يلزم أن تكون البهائم مغراة بالقبيح لأجل الشهوة ، وذلك لأن معنى الاغراء لا يصح في البهائم ، وانما يصح فيمن يتصور في العواقب ، ويأمن المضرة فيها ، وهذا مما يختص به العقلاء . فان قيل : فما وجه الحكمة في ابتداء الخلق ؟ قلنا : وجه ذلك لا يخرج عن ثلاثة أقسام : إما نفع المخلوق ، أو أن ينفع غيره ، أو أن يكون إرادة لما ذكرناه مع تعري ذلك من وجوه القبح . وإذا حسن الخلق لنفع المخلوق ، حسن ذلك لنفعه ، ولينتفع به . لأنه إذا حسن لأحد وجهين كان أولى بالحسن مع اجتماعهما ، وإذا حسن منه تعالى أن يخلق لينفع بالتفضل ، فأولى أن يحسن خلق من خلقه لينفعه من هذا الوجه ومن غيره . ولهذا قلنا : إن المكلّف مخلوق لينتفع بالتفضل ولينتفع بالثواب ، وان كان في المعلوم أن ايلامه مصلحة له أو لغيره ، فقد خلق أيضا لينتفع بالعوض ، فيتكامل فيه الوجوه الثلاثة . فأما غير المكلف فإنما خلق لينتفع بالتفضل والعوض ان كان في ايلامه مصلحة لمكلف . فان قيل : فما أقل مما يحسن منه تعالى أن يخلق ابتداء . قلنا : خلق حيّ وخلق شهوة فيه لمدرك موجود يدركه فيلتذّ به ، وليس يجب أن يكون ذلك المدرك غير هذا الحيّ نفسه ، لأنه جائز أن يشتهي الحي أن ادراك « 1 » بعضه أو مما يحل في بعضه من المدركات ، ولا بدّ أيضا من فعل
--> ( 1 ) كذا في النسختين وفي هامش م « يدرك خ » .